ابن الجوزي
87
صيد الخاطر
الساعات ، ويتفقد فيها أحوال النفس ، ويتلمح الجوارح ، مخافة أن يبدو من اللسان كلمة ، أو من القلب تسخط ، فكأن قد لاح فجر الأجر ، فانجاب ليل البلاء ، ومدح الساري بقطع الدجى ، فما طلعت شمس الجزاء ، إلا وقد وصل منزل السلامة . 40 - في الخوف لما رأيت رأي نفسي في العلم حسنا ، فهي تقدمه على كل شيء ، وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل ، وتقول ، أقوى دليل لي على فضله على النوافل ، اني رأيت كثيرا ممن شغلهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم ، عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول ، فرأيتها في هذا على الجادة السهلة والرأي الصحيح ، إلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم ، فصحت بها : فما الذي أفادك العلم ؟ أين الخوف ؟ أين القلق ؟ أين الحذر ؟ أو ما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم ؟ أما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم سيد الكل ، ثم إنه قام حتى ورمت قدماه ؟ أما كان أبو بكر رضي اللّه عنه شجيّ النشيج ، كثير البكاء ؟ أما كان في خد عمر رضي اللّه عنه خطان من آثار الدموع ؟ أما كان عثمان رضي اللّه عنه يختم القرآن في ركعة ؟ « 1 » أما كان علي رضي اللّه عنه يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع ، ويقول : يا دنيا غرّي غيري ؟ أما كان الحسن البصري على قوة القلق ؟ أما كان سعيد بن المسيب ملازما للمسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة ؟ أما صام الأسود بن يزيد « 2 » حتى اخضر واصفر ؟ أما قالت بنت الربيع بن خيثم « 3 » له : مالي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام ؟ فقال : إن أباك يخاف البيات ؟ أما كان أبو مسلم الخولاني « 4 » يعلق سوطا في المسجد يؤدب نفسه إذا فتر ؟ أما صام يزيد الرقاشي « 5 » أربعين سنة ، وكان يقول : وا لهفاه سبقني العابدون ، وقطع بي ؟ أما
--> ( 1 ) لا أدري من أين جاء المؤلف بهذا ؟ ( 2 ) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي من التابعين ، وقد نشأ من قبيلة النخع جلة من الاعلام أشهرهم إبراهيم ، وقد أخذ عن الأسود ، ومنهم علقمة وشريك القاضي ، توفي الأسود سنة 75 . ( 3 ) تابعي متعبد أخذ عنه الشعبي وإبراهيم النخعي ، توفي سنة 64 . ( 4 ) أبو مسلم الخولاني اليماني الزاهد ، هاجر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يدركه ، نزل الشام ، توفي سنة 62 . ( 5 ) يزيد بن ابان الرقاشي المحدث البصري الزاهد ضعفه ابن معين .